مناهج المملكة العربية السعودية

أي الفلزات يمكن أن تكون سائلة في درجة الحرارة العادية؟

حل سؤال: أي الفلزات يمكن أن تكون سائلة في درجة الحرارة العادية؟

  • إجابة السؤال هي : الزئبق، الغاليوم (قابلة للذوبان قريبًا من درجة الغرفة).

شرح الإجابة :

يا لروعة عالم الفلزات، فمعظمها يتجلى لنا في صورة مواد صلبة متينة تحت درجة الحرارة العادية التي تبلغ نحو 20 إلى 25 درجة مئوية. هذا الثبات يعود بالأساس إلى قوة الروابط الفلزية التي تربط بين ذراتها في شبكة بلورية متراصة ومستقرة. لكن الطبيعة تحمل في طياتها استثناءات آسرة تدهش العقول وتوسع آفاق المعرفة.

من بين هذه الاستثناءات التي تتحدى المألوف، تبرز لنا بعض العناصر الكيميائية التي تأبى أن تتقيد بالصلابة المعتادة. إنها تفضل البقاء في حالة المادة السائلة حتى في الظروف الجوية المعتدلة، وهو ما يعكس سمة فريدة في تركيبها الداخلي. هذه الظاهرة لا تحدث مصادفة بل هي نتاج توازن دقيق بين قوى الجذب الذري والطاقة الحرارية المحيطة.

تتوقف هذه الظاهرة على خاصية جوهرية تُعرف بـدرجة الانصهار، وهي النقطة الحرارية التي تتحول عندها المادة من الطور الصلب إلى السائل. فالفلزات التي تمتلك درجة انصهار منخفضة بشكل استثنائي هي وحدها القادرة على الظهور سائلة في بيئتنا اليومية. هذا هو مفتاح فهم لغز الفلزات السائلة.

يأتي في طليعة هذه الفلزات الاستثنائية الزئبق، الذي ربما لم تعد تراه كثيرًا في الأجهزة الحديثة بسبب بعض المخاوف. يتميز هذا الفلز بلونه الفضي اللامع وقدرته المذهلة على الانسياب، ويظل محتفظًا بحالته السائلة حتى عند درجة حرارة منخفضة تصل إلى نحو -38.8 درجة مئوية. هذه الخاصية الفريدة جعلته نجمًا في تطبيقات معينة.

لقد كان الزئبق رائدًا في صناعة موازين الحرارة والبارومترات، مستفيدًا من تمدده المنتظم وتقلصه الدقيق مع أدنى تغير في درجات الحرارة والضغط. كما أنه يشتهر بـكثافة عالية للغاية، فهو أثقل من الحديد بكثير بالنسبة لحجمه، مما يفسر سبب استخداماته في بعض التطبيقات الصناعية المتخصصة. لعل الأبرز هو التوتر السطحي الشديد الذي يمنعه من الالتصاق بالأسطح التي يلامسها، فيتجمع على شكل قطرات كروية.

ومع ذلك، ومع كل هذه الميزات العلمية، لا يمكننا أن نغفل جانبًا مهمًا وهو سمية الزئبق، الذي يتطلب تعاملًا حذرًا ومنظمًا. التعرض المفرط لبخاره أو تلامس الجلد معه قد يسبب مشكلات صحية جدية تؤثر على الجهاز العصبي والكلى. هذا الوعي دفع الكثير من الدول لتقييد استخدامه والبحث عن بدائل أكثر أمانًا للإنسان والبيئة.

بالانتقال إلى فلز آخر لا يقل إثارة وجمالًا، نجد الغاليوم، وهو جوهرة حقيقية في عالم المواد. هذا الفلز يتجلى بلون فضي يميل إلى الزرقة، ويتميز بخاصية مدهشة تتلخص في انصهاره بمجرد ملامسته لراحة يدك الدافئة. فـدرجة انصهاره تبلغ حوالي 29.76 درجة مئوية، وهي أقل من درجة حرارة جسم الإنسان بقليل.

تلك الخاصية الفريدة تجعل الغاليوم مادة مثالية لبعض التجارب العلمية الممتعة ولتطبيقات تقنية حديثة. فعلى خلاف الزئبق، لا يُعد الغاليوم سامًا بالدرجة نفسها، مما يفتح له أبوابًا واسعة في مجالات الابتكار. ومن المدهش أنه عندما يتجمد، يتمدد حجمه قليلًا، تمامًا مثل الماء، وهو سلوك نادر بين الفلزات.

لقد أضحى الغاليوم عنصرًا محوريًا في الصناعات الإلكترونية المعاصرة، إذ يدخل في صناعة أشباه الموصلات التي تعد العمود الفقري لأجهزتنا التكنولوجية. إنه جزء لا يتجزأ من تكوين صمامات ثنائية باعثة للضوء (LED) التي تضيء عالمنا اليوم، بالإضافة إلى مساهمته في الرقائق الإلكترونية فائقة السرعة. كما تُستخدم سبائك الغاليوم في تطوير الخلايا الشمسية عالية الكفاءة التي تحول ضوء الشمس إلى طاقة.

تفسير هذه الظاهرة الفلزية العجيبة يكمن في البنية الدقيقة لكل من الزئبق والغاليوم على المستوى الذري. فبينما تمتلك معظم الفلزات روابط فلزية قوية جدًا تتطلب طاقة حرارية كبيرة لكسرها، يظهر الزئبق ضعفًا نسبيًا في هذه الروابط بسبب تأثيرات كمومية معقدة على إلكتروناته. الأمر ذاته ينطبق على الغاليوم الذي يتمتع بتركيب بلوري غير نمطي يقلل من الطاقة اللازمة للانصهار.

هذا التباين في قوة الروابط الفلزية هو ما يمنح هذين الفلزين قدرتهما على أن يكونا سوائل فلزية في ظروف لا تستطيع معظم الفلزات الأخرى تحقيقها. إنها دعوة للتأمل في أن الخصائص الظاهرة للمواد ليست إلا انعكاسًا دقيقًا لتفاعلاتها على مستوى الذرة والجزيء. هذا الفهم العميق يمهد الطريق لابتكار مواد جديدة بخصائص مصممة.

في نهاية المطاف، يكشف لنا عالم الفلزات السائلة عن مدى تنوع الخصائص الفيزيائية والكيميائية للعناصر. فـالزئبق والغاليوم ليسا مجرد فلزين ينصهران بسهولة، بل هما شاهدان على تعقيدات البنية الذرية التي تحدد سلوك المادة. إنهما يفتحان آفاقًا للبحث العلمي ويدفعان عجلة التقدم التكنولوجي نحو آفاق أرحب.

أسئلة شائعة:

هل هناك فلزات أخرى يمكن أن تكون سائلة في درجة حرارة الغرفة؟

على الرغم من أن الزئبق والغاليوم هما الأكثر شيوعًا والأبرز في هذه الفئة، فإن هناك فلزات أخرى مثل السيزيوم والروبيديوم تمتلك درجات انصهار منخفضة جدًا. ومع ذلك، فإن هذه الفلزات شديدة النشاط الكيميائي وتتفاعل بعنف مع الهواء والماء، مما يجعلها لا تُعد سائلة “بشكل عادي” في بيئتنا المفتوحة.

لماذا تُعد درجة الانصهار منخفضة جدًا في بعض الفلزات مثل الزئبق والغاليوم؟

يعود السبب الرئيسي إلى طبيعة الروابط الفلزية بين ذراتها، والتي تكون أضعف نسبيًا مقارنة بمعظم الفلزات الأخرى. ففي حالة الزئبق، تُعزى هذه الظاهرة إلى تأثيرات نسبية تؤثر على حركة الإلكترونات، بينما في الغاليوم، يلعب تركيبه البلوري الفريد دورًا كبيرًا في تقليل الطاقة اللازمة لتفكيك هذه الروابط وتحويله إلى سائل.

ما هي الاستخدامات الحديثة للغاليوم بعيداً عن موازين الحرارة التقليدية؟

يُستخدم الغاليوم بشكل واسع في الصناعات الإلكترونية المتقدمة، خاصة في صناعة أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية فائقة السرعة. كما يدخل في تصنيع صمامات ثنائية باعثة للضوء (LED) والخلايا الشمسية عالية الكفاءة، وله تطبيقات واعدة في مجال الأجهزة البصرية والليزر.

ما هي المخاطر المرتبطة بالتعامل مع الزئبق السائل؟

ينبغي التعامل مع الزئبق بحذر شديد بسبب سمية الزئبق، حيث يمكن أن يسبب التعرض لبخاره أو تلامس الجلد المباشر له مشكلات صحية خطيرة. فهو يؤثر سلبًا على الجهاز العصبي المركزي والكلى، ولهذا يجب استخدام معدات واقية وتهوية جيدة عند التعامل معه، وقد حُظر استخدامه في كثير من التطبيقات المنزلية.

كيف تختلف خصائص الغاليوم عن الزئبق بالرغم من كونهما سائلين عند درجة حرارة عادية؟

يتميز الغاليوم بكونه أقل سمية بكثير من الزئبق، مما يجعله أكثر أمانًا للاستخدام في التطبيقات الحديثة. كما أن الغاليوم يتمدد عند التجمد، وهي خاصية نادرة بين الفلزات ويتشاركها مع الماء، بينما ينكمش الزئبق عند التجمد. هذه الاختلافات الجوهرية تجعل لكل منهما مجال استخدامات خاص به.

السابق
هل جميع العناصر الانتقالية فلزات؟
التالي
أي العناصر يعتبر شبه فلز نموذجي؟

اترك تعليقاً